أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
163
العقد الفريد
أصبحت أذكر أرحاما وآصرة * بدلت منها هويّ الرّيح بالقصب « 1 » أما واللّه لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به ، ونهيتكم عما نهيتكم عنه ، حملتكم على المكروه الذي جعل اللّه عاقبته خيرا إذا كان فيه ، لكانت الوثقى التي لا تقلع ، ولكن بمن ؟ وإلى من ؟ [ أريد أن ] أداوي بكم [ وأنتم دائي ] ؛ إني واللّه بكم كناقش « 2 » الشّوكة بالشوكة ، يا ليت لي بعض قومي وليت لي من بعد خير قومي ، اللهم إن دجلة والفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان ، اللهم سلط عليهما بحرك ، وانزع منهما بصرك ؛ ويل للنّزعة « 3 » يا أشطان الرّكيّ « 4 » ! [ أين الذين ] دعوا إلى الإسلام فقبلوه ، وقرءوا القرآن فأحسنوه ، ونطقوا بالشعر فأحكموه وهيجوا إلى الجهاد فولهوا [ وله ] اللقاح [ إلى ] أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ضربا ضربا ، [ وأخذوا بأطراف الأرض ] زحفا زحفا ، لا يتباشرون بالأحياء ، ولا يعزّون على القتلى ولا يغيرون على العلي . أولئك إخواني الذاهبون * فحقّ البكاء لهم أن يطيبا رزقت حبيبا على فاقة * وفارقت بعد حبيب حبيبا ! ثم نزل تدمع عيناه ؛ فقلت إنا للّه وإنا إليه راجعون على ما صرت إليه ! فقال : نعم ، إنا للّه وإنا إليه راجعون ! أقوّمهم واللّه غدوة ويرجعون إلى عشية مثل ظهر الحية ، حتى متى ؟ وإلى متى ؟ حسبي اللّه ونعم الوكيل ! وهذه خطبته الغراء ، رضي اللّه عنه : الحمد للّه الأحد الصمد ، الواحد المنفرد ، الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق إلا وهو خاضع له ؛ قدرة بان بها من الأشياء وبانت الأشياء منه ، فليست له صفة تنال ، ولا حدّ يضرب له فيه الأمثال ، كلّ دون صفته تحبير اللغات ، وضلت هناك تصاريف الصفات وحارت دون ملكوته مذاهب التفكير ، وانقطعت دون علمه
--> ( 1 ) هويّ الريح : هبوبها . ( 2 ) نقش الشوكة : أخرجها . ( 3 ) الترعة : الذين يترعون الدلاء . ( 4 ) الأشطان : حبال الدلاء . والركيّ : البئر .